ابن عجيبة
220
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : « ماذا » تأتى على أوجه ؛ أحدها : أن تكون « ما » : استفهاما ، و « ذا » : إشارة ، نحو : ماذا التواني . الثاني : أن تكون « ما » : استفهاما ، و « ذا » : موصولة ، كقول لبيد : ألا تسألان المرء ماذا يحاول ؟ * أنحب فيقضى ، أم ضلال وباطل ؟ الثالث : « ماذا » كله : استفهام على التركيب ، كقولك : لما ذا جئت ؟ . الرابع : أن تكون « ماذا » كله : اسم جنس بمعنى شئ ، أو : بمعنى « الذي » كقوله : دعني ماذا علمت ؟ ، وتكون « ذا » زائدة . انظر القاموس . يقول الحق جل جلاله : وَ اذكر يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً ، الفوج : الجماعة الكثيرة . و « من » : للتبعيض ، أي : واذكر يوم نجمع من كل أمة من أمم الأنبياء جماعة كثيرة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا ، « من » : لبيان الفوج ، أي : فوجا مكذبين بآياتنا ، المنزلة على أنبيائنا ، فَهُمْ يُوزَعُونَ : يحبس أولهم على آخرهم ، حتى يجتمعوا ، حين يساقون إلى موضع الحساب . وهذه عبارة عن كثرة العدد ، وتباعد أطرافهم ، والمراد بهذا الحشر : الحشر للعذاب ، والتوبيخ والمناقشة ، بعد الحشر الكلى ، الشامل لكافة الخلق . وعن ابن عباس : ( المراد بهذا الفوج : أبو جهل ، والوليد بن المغيرة ، وشيبة بن ربيعة ، يساقون بين يدي أهل مكة ) وهكذا يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار . حَتَّى إِذا جاؤُ إلى موقف السؤال والجواب ، والمناقشة والحساب ، قالَ أي : اللّه عز وجل ، موبخا لهم على التكذيب : أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي المنزلة على رسلي ، الناطقة بلقاء يومكم ، وَ الحال أنكم لَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أي : أكذبتم بها في بادئ الرأي ، من غير فكر ، ولا نظر ، يؤدى إلى إحاطة العلم بكنهها ، وأنها حقيقة بالتصديق حتما . وهذا نص في أن المراد بالآيات في الموضعين هي الآيات القرآنية . وقيل : هو عطف على « كذبتم » ، أي : أجمعتم بين التكذيب وعدم التدبر فيها . أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؟ حيث لم تتفكروا فيها ، فإنكم لم تخلقوا عبثا . أو : أىّ شئ كنتم تعملون ، استفهام ، على معنى استبعاد الحجج ، أي : إن كانت لكم حجة وعمل فهاتوا ذلك . وخطابهم بهذا تبكيت لهم . ثم يكبون في النار ، وذلك قوله تعالى : وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أي : حلّ بهم العذاب ، الذي هو مدلول القول الناطق بحلوله ونزوله ، بِما ظَلَمُوا : بسبب ظلمهم ، الذي هو تكذيبهم بآيات